يُعد المتحف المصري الكبير (GEM) علامة فارقة في مسيرة العمارة المصرية والعربية، ليس فقط لكونه أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة في العالم، بل لأنه أصبح نموذجًا عالميًا للعمارة الخضراء والمباني الصديقة للبيئة. يقع المتحف على مساحة تقارب نصف مليون متر مربع بالقرب من أهرامات الجيزة، ويضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية تجسد التاريخ المصري القديم في أبهى صوره. إلا أن ما يميّزه عن أي مشروع ثقافي آخر هو التزامه الصارم بمعايير الاستدامة والبيئة، ليصبح رسميًا أول متحف أخضر في إفريقيا والشرق الأوسط، وفقًا لاعتماد مؤسسة التمويل الدولية IFC التابعة للبنك الدولي.
منذ بداية المشروع، وُضعت الاستدامة في صميم التصميم المعماري والهندسي للمتحف. فقد فاز مكتب “هينغان بينغ” الأيرلندي بالمسابقة الدولية لتصميمه بعد أن قدم رؤية تعتمد على التكامل بين البيئة والتاريخ، بحيث يستفيد المبنى من الضوء الطبيعي دون أن يتأثر بحرارة الشمس القوية. صُممت الواجهات بزوايا مدروسة تتيح الإضاءة غير المباشرة داخل القاعات، مع استخدام مظلات حجرية وأسقف عاكسة للحرارة تقلل من الحاجة إلى التكييف الصناعي. كما اعتمد المتحف على أنظمة متطورة لإدارة الطاقة والتحكم الذكي في الإضاءة، مما ساهم في تحقيق وفورات في استهلاك الكهرباء بنسبة وصلت إلى نحو 62% مقارنة بالمباني التقليدية.
ويُعد حصول المتحف على شهادة «EDGE Advanced» من مؤسسة التمويل الدولية نقطة تحول مهمة في تاريخ المتاحف بالمنطقة. فهذه الشهادة تُمنح فقط للمباني التي تحقق وفراً لا يقل عن 40% في استهلاك الطاقة والمياه والمواد المستخدمة، بينما تجاوز المتحف المصري الكبير هذه النسبة بوضوح. إلى جانب ذلك، حصل المتحف على شهادة “الذهب” من نظام الهرم الأخضر المصري الصادر عن المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، ما يجعله أول منشأة ثقافية في إفريقيا تنال هذا التقدير المزدوج. كما نال المتحف ثمان شهادات اعتماد دولية في مجالات إدارة الجودة، والطاقة، والبيئة، والسلامة المهنية، مما يعكس التزامه بالمعايير العالمية في التشغيل والإدارة المستدامة.
ولم تقتصر جهود المتحف على مرحلة البناء فحسب، بل امتدت إلى التشغيل اليومي عبر أنظمة متقدمة لترشيد الموارد. إذ يعتمد المتحف على الإضاءة الذكية بتقنية LED المزودة بحساسات للحركة، ما يحد من الهدر في الطاقة داخل القاعات. كما يُعاد استخدام المياه الرمادية لري المساحات الخضراء المحيطة بالمتحف، مع تطبيق تقنيات حصاد مياه الأمطار لتقليل الاعتماد على الشبكة العامة. أما التصميم الخارجي، فقد خُصصت فيه مناطق واسعة من المسطحات الخضراء تعمل كمصدات حرارية طبيعية وتساهم في تحسين جودة الهواء داخل الموقع. كذلك جُهزت ساحات المتحف بمواقف للسيارات الكهربائية وممرات مخصصة للدراجات في إطار تشجيع النقل المستدام وتقليل الانبعاثات الناتجة عن الزوار.
وفي إطار التزامه بالشفافية البيئية، أعلن المتحف عن أول تقرير رسمي للبصمة الكربونية الخاصة به خلال فترة التشغيل التجريبية بين عامي 2023 و2024. وقد أعد التقرير بالتعاون بين الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات (GOEIC) والمجلس القومي للاعتماد (EGAC)، ليصبح بذلك أول متحف في المنطقة يصدر تقريراً معتمداً لقياس انبعاثاته الكربونية. ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغت الانبعاثات نحو 16,069 طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون خلال تلك الفترة، وهو رقم يعكس الشفافية في الرصد والمحاسبة البيئية. وقد أكدت إدارة المتحف أن هذه الانبعاثات أقل بكثير مما كانت ستكون عليه لو تم بناء المتحف بطرق تقليدية، نظرًا لاعتماده على أنظمة عزل حراري وإضاءة موفرة للطاقة.
إن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في أرقام الشهادات أو حجم الانبعاثات، بل في النموذج الذي يقدمه المتحف للعالم كمنشأة ثقافية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التاريخ والبيئة. فالمتحف المصري الكبير لم يعد مجرد صرح أثري يُعرض فيه الماضي، بل أصبح نموذجًا لمستقبل يمكن فيه تحقيق التنمية الثقافية والبيئية معًا. وتطمح إدارته في السنوات المقبلة إلى الوصول إلى الحياد الكربوني الكامل عبر دمج مصادر الطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية، وتوسيع برامج إعادة التدوير، وتطوير وسائل النقل الخضراء للزوار والعاملين.
إن المتحف المصري الكبير يمثل بحق أيقونة جديدة للعمارة البيئية في العالم العربي، ورمزًا لقدرة مصر على قيادة التحول نحو مستقبل أكثر استدامة. فهو يجسد مفهوم «الثقافة المستدامة» بكل أبعاده، ويبرهن أن الحفاظ على التراث الإنساني يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على كوكب الأرض. وباعتماده على تقنيات حديثة، ومتابعة دقيقة للبصمة الكربونية، وحصوله على اعترافات دولية موثقة، أصبح المتحف ليس فقط مركزًا لحضارة الماضي، بل منارة خضراء لمستقبل أفضل.
