في ظل الأزمات الجيوسياسية العالمية، لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي فقط، بل أصبحت عامل استقرار أو ضغط في آن واحد. ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت أسعار الطاقة عالميًا بشكل ملحوظ، ما يضع الاقتصادات النامية، بما فيها مصر، أمام تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها الطاقية دون زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري. هذه الأزمات تجعل الدول في موقف حرج أمام تقلبات الأسواق العالمية، وتبرز الحاجة إلى إيجاد حلول محلية مبتكرة ومستدامة تقلل من الاعتماد على الاستيراد وتحمي الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية.
في هذا السياق، تواجه مصر تحديًا مزدوجًا؛ فالطلب المحلي على الطاقة يزداد بشكل متسارع نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني، بينما تتصاعد تكاليف الوقود على المستوى العالمي. وفي الوقت ذاته، تمتلك البلاد موردًا محليًا ضخمًا وغير مستغل بالشكل الأمثل، وهو المخلفات الصلبة والنفايات التي تتحول يوميًا إلى عبء بيئي واقتصادي بدلاً من أن تكون مصدرًا للطاقة النظيفة. هذا الواقع يجعل إدارتها وتحويلها إلى طاقة ضرورة استراتيجية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضًا تحسين الصحة العامة، وتقليل الانبعاثات الضارة، ودعم الاستدامة البيئية على المدى الطويل.
تشير التقديرات إلى أن مصر تنتج سنويًا نحو 100 مليون طن من المخلفات بمختلف أنواعها، بما في ذلك حوالي 22 مليون طن من المخلفات البلدية الصلبة، ولا يتم معالجة الجزء الأكبر منها بشكل سليم، إذ ينتهي العديد منها في مقالب عشوائية. يؤدي هذا إلى فقدان موارد اقتصادية كبيرة وزيادة الأعباء البيئية والصحية على المجتمع، بينما يمكن استغلال جزء كبير من هذه المخلفات في إنتاج الطاقة المتجددة. تشير الدراسات إلى أن نحو 28 مليون طن من هذه المخلفات قابلة للتحويل إلى طاقة، حيث يمكن للطن الواحد إنتاج ما بين 500 و600 كيلووات/ساعة، ما يتيح لمصر إمكانية إنتاج مليارات الكيلووات/ساعة سنويًا، وبالتالي تعزيز الأمن الطاقي المحلي وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
ولفهم الفائدة العملية لتجربة تحويل النفايات إلى طاقة، يمكن النظر إلى السويد، التي تعالج أكثر من 20 مليون طن من المخلفات سنويًا وتنتج آلاف الجيجاوات من الكهرباء والطاقة الحرارية لتغطية جزء كبير من احتياجات التدفئة. كما تعتمد اليابان على أكثر من 300 محطة لمعالجة النفايات وتحويلها إلى طاقة، ما قلل الاعتماد على المدافن التقليدية وحوّل المخلفات إلى مورد اقتصادي مستدام، وأثبت جدواه في تعزيز الأمن الطاقي وتحقيق كفاءة استخدام الموارد. تجربة هذه الدول تظهر أن تحويل النفايات إلى طاقة لا يساهم فقط في تلبية الاحتياجات الطاقية، بل يحوّل النفايات إلى قيمة اقتصادية ويخفف الضغط على البيئة.
ورغم الإمكانيات الكبيرة، لا يزال قطاع الطاقة في مصر يعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي، وهو ما يجعل الاقتصاد المصري حساسًا لتقلبات الأسعار العالمية. ورغم البدء في تنفيذ بعض مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة، إلا أن حجم هذه المشروعات لا يزال محدودًا مقارنة بالإمكانات المتاحة. وهذا يبرز الحاجة إلى خطة وطنية شاملة لتعظيم الاستفادة من هذا المورد، تشمل تطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار في تقنيات معالجة النفايات، وربطها بمصادر الطاقة النظيفة الأخرى لتحقيق أمن طاقي شامل ومستدام.
يمثل التوسع في مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة خطوة محورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ يساهم في الهدف السابع الخاص بالطاقة النظيفة، والهدف الحادي عشر المرتبط بالمدن المستدامة، والهدف الثالث عشر المتعلق بمواجهة تغير المناخ. كما يتوافق هذا التوجه مع رؤية مصر 2030، التي تضع الاستدامة البيئية وكفاءة إدارة الموارد في صلب أولوياتها، عبر دعم الاقتصاد الأخضر وتقليل الأثر البيئي للنمو العمراني. وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر تستهدف بحلول عام 2030 أن تصل نسبة الطاقة الجديدة والمتجددة إلى 42% من إجمالي الطاقة المنتجة، وهو ما يعزز بشكل كبير دور مشروعات الطاقة المستدامة مثل تحويل النفايات إلى طاقة في تحقيق هذا الهدف الوطني.
في ضوء هذه المعطيات، لم يعد التعامل مع النفايات باعتبارها مجرد عبء خيارًا مقبولًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتحويلها إلى مصدر طاقة بديل، يمكن أن يساعد مصر على تعزيز أمنها الطاقي وتحقيق التنمية المستدامة في مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية. فالاستفادة من الموارد المحلية بذكاء تمنح الدولة القدرة على الصمود أمام تقلبات السوق العالمي وتحويل الأزمة إلى فرصة حقيقية للتقدم الاقتصادي والاستدامة البيئية.
في النهاية، يبدو أن الحل لأزمة الطاقة في مصر قد يكون أقرب مما نتخيل. فبينما تتجه الأنظار إلى مضايق النفط ومناطق الصراع، قد يكون أحد أهم مفاتيح تحقيق الأمن الطاقي والتنمية المستدامة موجودًا بالفعل… في نفايات شوارعها، لتتحول من عبء بيئي إلى فرصة استراتيجية حقيقية تُسهم في رسم مستقبل مصر الطاقي المستدام.
