مقدمة:

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العصر الرقمي، بات الإعلام الرقمي أداة محورية في تشكيل الوعي المجتمعي، ولا سيما في القضايا البيئية التي أصبحت من أبرز التحديات العالمية، إذ يسهم الإعلام الرقمي اليوم بدور فعال في تنمية الوعي البيئي، من خلال إيصال المعلومات البيئية بشكل مبسط وجذاب، وقادر على التأثير في إدراك الأفراد وسلوكهم. فتشكيل الوعي البيئي بصورة إيجابية لا يقتصر على مجرد نقل المعرفة، بل يمتد إلى تحفيز المواطنين على تبني سلوكيات مسؤولة، تعكس حرصًا حقيقيًا على البيئة ومقدّراتها، ومن خلال إبراز الفائدة الشخصية والاجتماعية للمشاركة البيئية، يخلق الإعلام الرقمي دافعيه حقيقية لدى الأفراد للانخراط في حل المشكلات البيئية، والمساهمة بفعالية في جهود الحماية والاستدامة.

أولًا: الإعلام الرقمي والإعلام البيئي…. المفهوم والعلاقة

يعد الإعلام الرقمي إعلام يتجاوز الدور الإخباري لوسائل الإعلام التقليدية، ويوفر فرصة التفاعل والتواصل بين الناس للمشاركة بأنفسهم في صناعة الخبر ونشره، كما يتجاوز حالة السكون التي طبعت مضامين الإعلام القديم إلى حالة الدينامية والتجدد المستمر، اعتمادا على ما تقدمه تكنولوجيا الإنترنت والتقنيات الإعلامية الجديدة من خدمات متنوعة، كما يعد الإعلام البيئي شكل من أشكال الإعلام الرقمي المتخصص، ويعتبر من أهم روافد الإعلام التنموي الذي بدأ ينمو في مطلع السبعينات، ويعد المصطلح تعبير مركب من مفهومين، هما الإعلام والبيئة. وقد تزايدت الحاجة إلى هذا النوع من الإعلام خاصة في الآونة الأخيرة بالتزامن مع تعاظم الاهتمام الدولي بالبيئة، وظهور الكثير من المشكلات البيئية في كثير من دول العالم، الأمر الذي يستلزم توضيح المفاهيم البيئية وإحاطة الجمهور بها سعيا لتأصيل التنمية البيئية المستدامة. ولعل أهم هدف يركز عليه الإعلام البيئي هو خلق الوعي والثقافة البيئية لدى الأفراد وتحفيزهم للمشاركة الفعالة في مشاريع التنمية والبيئة للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة والعيش في بيئة صحية سليمة.

ثانيًا: دور الإعلام الرقمي في التوعية البيئية

التعليم والتثقيف: من خلال تقديم معلومات حديثة ومتنوعة حول القضايا البيئية بأساليب جذابة وسهلة الوصول، مما يساعد الأفراد على فهم التحديات البيئية المعاصرة. كما يعزز من قدرتهم على التعلم الذاتي واكتساب المهارات اللازمة للتفاعل الإيجابي مع البيئة، وتنمية وعيهم وسلوكهم البيئي نحو مزيد من المسؤولية والاستدامة.

تقوية اهتمام الجماهير بقضايا البيئة: يتعامل الإعلام الرقمي مع مشكلات البيئة بواسطة خلق الإحساس لدى المواطن بضرورة الاهتمام بالبيئة، وتبسيط المعلومات البيئية لجعلها مفهومة وقريبة من حياة الناس اليومية، مع تسليط الضوء على التأثير المباشر للتدهور البيئي على صحتهم ومستقبل أبنائهم، وذلك انطلاقًا من أن الإنسان هو أكثر الكائنات الحية فاعلية وتأثيرًا في النظام البيئي.

تغيير السلوكيات: من خلال الإسهام في دفع الأشخاص إلى تغيير سلوكياتهم الضارة بالبيئة، والمشاركة بفعالية في رعاية البيئة، عن طريق عرض نماذج لأفراد أو مؤثرين يتبنون سلوكًا بيئيًا، أو التأثير الجماعي فعندما يرى الفرد أن “الكثير من الناس” يمارسون سلوكًا بيئيًا معينًا (مثلاً، تحدي تقليل النفايات)، فإنه يُشعر بأنه ملزم أخلاقيًا أو اجتماعيًا بتبني نفس السلوك.

تعزيز المشاركة والحوار: حيث يعمل على تشجيع المشاركة المجتمعية في حل المشكلات البيئية، مثل تنظيم حملات تنظيف، أو المشاركة في مشاريع زراعة الأشجار، بالإضافة إلى تبادل الآراء والأفكار بين المعنيين والمهتمين بالحقائق البيئية للوصول إلى اتفاق حولها وتوضيح مختلف وجهات النظر حول القضايا البيئية المهمة للجمهور، وذلك بصورة مبسطة لاتخاذ مواقف حيالها.

الارشاد والتوجيه: من خلال تقديم محتوى يُساعد الأفراد على تبني سلوكيات صديقة للبيئة وتوجيههم نحو ممارسات يومية تساهم في حماية الموارد الطبيعية. فهو لا يكتفي بعرض المعلومات، بل يُرشد الجمهور إلى كيفية التصرف الصحيح، مثل ترشيد استهلاك الطاقة، أو إعادة التدوير، أو الحد من استخدام البلاستيك. كما يعزز الوعي البيئي لدى الجمهور من خلال توضيح أفضل السبل للتعامل مع المسائل البيئية وأساليب الوقاية والعلاج وتسليط الضوء على الأحداث والمشكلات والتوقعات للأحداث اللاحقة.

ثالثًا: ما التحديات التي تواجه الإعلام الرقمي في التوعية البيئية؟

تتمثل في غياب سياسية إعلامية واضحة تعمل على التنسيق بين السلطات المعنية بحماية البيئية، مع قله الكوادر الإعلامية المؤهلة والقادرة على تناول البيئة ومشكلاتها على رأس قائمة مشكلات الإعلام البيئي، حيث تخلو أكثر وسائل الإعلام من المحررين أو الخبراء المختصين في قضايا البيئة، إضافة إلى نقص التبادل المعرفي بين المشرفين على الصفحات البيئية في الصحف والخبراء والمهتمين والجمعيات المعنية، الأمر الذي ينتج عنه أحيانا معالجة سطحية لقضايا البيئة إلى جانب غياب التنسيق بين وسائل الإعلام نفسها.

وكذلك عدم توافر استطلاعات الرأي التي تحدد مستويات الوعي البيئي لدى الشرائح المختلفة للجمهور العام والنوعي والتي تساعد في رسم السياسة الإعلامية الخاصة بالبيئة، وتتيح للقائمين بالاتصال حسن اختيار المضامين البيئية والأساليب الإعلامية الملائمة لتوصيل الرسالة البيئية إلى جمهورها.

كما يعد عزوف الاعلاميين عن العمل في مجال الإعلام البيئي من أخطر التحديات، إذ أن معظم من يغطي القضايا البيئية في وسائل الإعلام يعتبر وضعه الوظيفي المادي والمعنوي متدنيا، في مقابل الحوافز المغرية التي تشجع الإعلاميين على الانخراط في الأنماط الإعلامية الأخرى كالإعلام السياسي أو الرياضي أو الفني.

رابعًا: آليات تفعيل دور الإعلام الرقمي في التوعية بحماية البيئة

تكمن تلك الآليات في تعزيز دور الإعلام البيئي ليكون مشاركا بشكل فعال عبر إجراء استبيان لآراء مختلف شرائح المجتمع المستهدفة بالبرامج الإعلامية البيئية، وتشجيع التواصل بين الإعلاميين البيئيين والخبراء والمختصين والمهتمين بالشأن البيئي، مع ضرورة حوكمة قطاع الإعلام البيئي من خلال الاهتمام بتحفيز القطاع الخاص للاستثمار في مشاريع وبرامج وأعمال الإعلام البيئي.

كما ينبغي أن تركز رسائل التوعية البيئية لوسائل الإعلام على تعدد المداخل الإقناعية مثل التركيز على الأضرار الصحية الناتجة عن التلوث، وتسليط الضوء على الخسائر المالية والاقتصادية للتدهور البيئي، وإبراز الخوف على مستقبل الأجيال القادمة للعيش في بيئة سليمة، والتأكيد على أن الجهود الرسمية وحدها لا تكفي لمواجهة التلوث، وكل ذلك حتى يتحقق الجذب الجماهيري والتأثير المنشود.

بالإضافة لتعاون مراكز المعلومات البيئية مع وسائل الإعلام المختلفة بالمعلومات الضرورية فضلا عن آخر الدراسات والنشاطات الإقليمية والدولية، والتعاون مع الجمعيات غير الحكومية ذات الصلة بالشأن البيئي ووضع خطة تعاون مشترك لمواكبة نشاطاتها خصوصا تلك التي تتطلب حملات توعوية للعمل الشعبي التطوعي، والاهتمام بالبيئة المشيدة كالآثار التاريخية والحضارية وغيرها مما ينبغي الحفاظ عليه في مجال التراث.

ختامًا، في ضوء ما تم استعراضه، يتضح أن الإعلام الرقمي يشكل أداة حيوية وفعالة في تعزيز الوعي البيئي والمساهمة في حماية البيئة من التحديات المتزايدة التي تواجهها. إذ لم يعد الإعلام مجرد ناقل للمعلومات، بل تحول إلى منصة تفاعلية تشجع على المشاركة المجتمعية وتغيير السلوكيات نحو مزيد من المسؤولية البيئية. ومع ذلك، فإن تفعيل دوره بشكل أمثل يتطلب تجاوز التحديات القائمة من خلال وضع سياسات إعلامية واضحة، وتأهيل الكوادر المتخصصة، وتعزيز التعاون بين الجهات المعنية. إن الاستثمار في الإعلام الرقمي البيئي هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة، وضرورة ملحة تتطلب تضافر الجهود على كافة المستويات لتحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على بيئة صحية نظيفة.

 

مشـــاركة علي :

التعليقات معطلة.